يحيي بن حمزة العلوي اليمني
177
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
مجهول وهذا نحو أن يكون المدعى يدعى ما لا يتصور ثبوته ولا يعقل إمكانه ، فيأتي بالتشبيه لبيان إمكانه وهذا كقول بعضهم : فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال فإن الشاعر أراد أن يقول : إن الممدوح فاق الأنام بحيث لم يبق بينه وبينهم مشابهة ومقاربة ، بل صار جنسا برأسه وأصلا في نفسه ، وهذا في الظاهر كالممتنع ، فإنه يبعد في العقل أن تتناهى بعض آحاد النوع أو شيء من مفرداته في الفضائل الخاصة والمناقب العالية إلى حد يصير كأنه ليس من ذلك النوع ، فلما أطلق ذلك عقبه بقوله « فإن المسك بعض دم الغزال » محتجا به على تصحيح دعواه ، وعلى إمكان ما قاله ، وعلى أنه ليس محالا ، وبيانه هو أن المسك قد خرج لا محالة عن صفة الدم وحقيقته ، حتى لا يقال هو منه ، ولا يعد من جنسه ولا يوجد فيه شيء من الصفات الشريفة التي للمسك ، فلأجل هذا سيق التشبيه من أجل هذه الفائدة . الوجه الثاني أن يكون بيانا لمقداره ، وهذا نحو أن يحاول نفى الفائدة عن فعل بعض الناس ، وأن يدعى فيه أنه لا يحصل منه طائل فيقول فيه : فلان كالقابض على الماء ، ويخط في الهواء ، فالتشبيه فيما هذا حاله لم يكن مسوقا لبيان الإمكان ، بل إنما سيق لمعرفة المقدار ؛ لأن الفعل في نفسه بالإضافة إلى ما يفيده على مراتب مختلفة في الإفراط ، والتفريط ، والتوسيط ، فإذا مثّل ما ذكرناه من المحسوس عرف قدره ، ولهذا قد يقال : حجة واضحة كالشمس ، وجهل أظلم من الليل ، ومداد كحدقة الغراب ، إلى مثل ذلك مما ذكرناه . الكيفية الثانية هو أن المتشابهين من الأشياء متى كانت المباعدة بينهما أتم ، كان التشبيه أعجب ، والسبب في ذلك هو أن المباينة متى كانت أدخل بينهما كان التشابه أشد إعجابا في النفوس ، وأقوى تمكنا فيها ، لأن أكثر مبنى الطباع على أن الشئ إذا تصور ظهوره من مكان يبعد ظهوره منه ، ازداد شغف النفس به ، وكثر تعلقها به ، فما يتعذر وجوده ، أعجب مما يتسهل وجوده ولهذا فإن تشبيه الشقائق في حمرتها وخضرة أعوادها بأعلام الياقوت المنصوبة على رماح من زبرجد ، في غاية الحسن ، لما كان لا يكاد يوجد ، وهكذا قوله « مداهن در حشوهن عقيق » وكذا تشبيه الكواكب في سمائها ، ببساط أزرق فوقه درر منثورة ، ودونه في الرتبة تشبيه الثريا بعنقود الكرم ، واللجام المفضض والوشاح المفصل